رغم ظهور مؤشرات على استقرار الاقتصاد المصري، ترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة علياء المهدي أن آثار سنوات التضخم لا تزال تلقي بثقلها على الأسر، بعدما استنزفت المدخرات وتراجعت الأجور الحقيقية وارتفعت تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق نمو الدخول.


وأظهر التحليل الذي نشرته أداليتيكا أن تراجع التضخم في مصر لا يعني انخفاض الأسعار، بل يشير فقط إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها. وبلغ معدل التضخم الرسمي 14.6% في أغسطس، في مستوى أقل من ذرواته خلال الأزمة، لكنه لا يزال يعكس ضغوطًا كبيرة على المستهلكين، خصوصًا الأسر منخفضة الدخل وأصحاب المعاشات.

 


تآكل القوة الشرائية بفعل موجات التضخم


قالت علياء المهدي، إن موجات التضخم المتكررة منذ عام 2017 خفضت القوة الشرائية للمصريين بصورة حادة، وأفقدت حيازات النقد والدخول الثابتة جزءًا كبيرًا من قيمتها.


وأشارت إلى أن الجنيه المصري فقد نحو 87% من قيمته مقابل ما كان عليه في عام 2010، بينما ارتفعت الأسعار بنحو 670% خلال الفترة نفسها، وهي فجوة تضرب الأسر منخفضة الدخل وأصحاب المعاشات بصورة أكبر.


ولا يمثل التضخم مجرد مؤشر شهري على حركة الأسعار، بل يؤدي إلى إعادة توزيع للثروة، إذ تدفع الزيادة السريعة في الأسعار مقارنة بالأجور الأسر إلى خفض الاستهلاك والادخار، وتزيد تعرضها لأي صدمات اقتصادية جديدة.


ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى إضعاف الطلب المحلي وتقليص مساحة التعافي الاقتصادي، فضلًا عن زيادة اعتماد الاقتصاد على الدعم الحكومي والتمويل الخارجي.


ويعني تباطؤ التضخم أن الأسعار لا تزال ترتفع، ولكن بوتيرة أبطأ، وهو فارق مهم بالنسبة إلى المستثمرين لأنه يشير إلى أن تحسن الأوضاع سيكون تدريجيًا وليس فوريًا، بينما يظل المستهلك تحت ضغط حتى مع بدء إجراءات الاستقرار في تحقيق نتائجها.

 


نمو الاقتصاد لا يعني تعافي الأسر


تظهر بعض المؤشرات تحسن الصورة الاقتصادية الكلية، إذ توقعت المهدي أن يرتفع النمو إلى نحو 5.2% خلال الفترة المقبلة إذا استمر المسار الحالي.


لكن تحول النمو إلى فرصة استثمارية حقيقية يتطلب أن يكون مستدامًا وواسع النطاق بما يكفي ليمتد أثره إلى الأجور وفرص العمل والقدرة على الإنفاق. ولا يكفي تسجيل ربع قوي واحد لإعادة بناء أوضاع مالية للأسر تضررت على مدار سنوات.


ويرى التحليل أن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري قد يكتسب مزيدًا من المصداقية لدى صندوق النقد الدولي والداعمين الخارجيين، لكن العائد الاجتماعي للإصلاح لا يزال متأخرًا عن العائد المالي.


ويخلق ذلك معادلة صعبة أمام صانعي السياسات، إذ يتعين عليهم مواصلة خفض التضخم والحفاظ على استقرار العملة، بالتوازي مع ضرورة وصول آثار النمو إلى مستويات المعيشة. وإلا فإن التكلفة السياسية والاقتصادية لعملية الإصلاح ستواصل التراكم.

 


فرص الاستثمار تتباين مع استمرار ضغوط المعيشة


يرى التحليل أن استقرار الاقتصاد المصري وتعافي المستهلكين لا يمثلان بالضرورة المسار نفسه، وهو ما يجعل السوق المصرية بحاجة إلى قدر من الصبر من جانب المستثمرين.


وقد تحقق الشركات المرتبطة بالسلع الأساسية والتسعير منخفض التكلفة والطلب الدفاعي أداءً أفضل من الشركات التي تعتمد على الإنفاق الاختياري القوي، في ظل استمرار الضغوط على دخول الأسر وقوتها الشرائية.


وتظل الفرصة الاستثمارية طويلة الأجل قائمة إذا واصل التضخم التراجع واستمر النمو الاقتصادي، لكن عملية إصلاح الأوضاع المالية للأسر لم تكتمل بعد.


ويخلص التحليل إلى أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي لا يعني تلقائيًا تعافي الأسر، إذ لا تزال المدخرات والأجور الحقيقية والقوة الشرائية تحمل آثار سنوات من التضخم المرتفع. ويظل نجاح المرحلة المقبلة مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار المالي إلى تحسن ملموس في دخول المواطنين ومستويات معيشتهم.

 

https://www.noonpost.com/en/384431/amp/